يكتب محمود حسن أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة لم تكن زيارة بروتوكولية عادية، بل شكّلت محطة فاصلة في مسار العلاقات المصرية–التركية، وأشّرت إلى ولادة تحالف استراتيجي جديد بين البلدين. عكس الاستقبال الحار الذي حظي به أردوغان من رئيس الاتقلاب عبد الفتاح السيسي دلالات سياسية وأمنية عميقة، وأرسل إشارات واضحة إلى تفاهمات عسكرية وأمنية، واتفاقات تعاون سياسي واقتصادي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
يوضح ميدل إيست مونيتور أن القاهرة بدت أكثر انفتاحًا على توسيع دائرة التعاون مع أنقرة، بعد نجاح الطرفين في تخفيف التوترات السياسية وتسريع وتيرة التقارب، في محاولة لتعويض خسائر استراتيجية تكبدها الجانبان خلال السنوات الماضية. جاء هذا التحول في سياق إقليمي مضطرب يدفع الدول الكبرى في المنطقة إلى إعادة ترتيب أوراقها.
توقيت حساس وتحولات إقليمية
يرتبط نجاح زيارة أردوغان الثالثة إلى مصر خلال عامين بتوقيتها الدقيق، إذ تواجه المنطقة احتمالات تصعيد خطير بين الولايات المتحدة وإيران قد ينزلق إلى حرب واسعة. يهدد هذا السيناريو بإعادة إشعال التوتر في البحر الأحمر وقناة السويس، وجر أطراف إقليمية أخرى مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وفصائل مسلحة في العراق، فضلًا عن احتمال استغلال إسرائيل للوضع لاستئناف الحرب على غزة.
جسدت الزيارة دفئًا شخصيًا بين الرئيسين، عكسته هدية أردوغان سيارة تركية الصنع للسيسي، كما عكست طبيعة الاتفاقات الموقعة نوايا بعيدة المدى. يسيطر البلدان معًا على خمس بحار استراتيجية: الأحمر، والمتوسط، والأسود، ومرمرة، وإيجه، كما يتحكمان في ثلاث ممرات مائية دولية بالغة الأهمية: قناة السويس، والدردنيل، والبوسفور.
ساهم هذا الثقل الجغرافي، إلى جانب البراجماتية التركية، والتقارب التركي السعودي، والتوسع الإماراتي في ملفات السودان والصومال على حساب المصالح المصرية، في تسريع اندفاع القاهرة نحو تفاهمات أعمق مع أنقرة.
شهدت الفترة بين اجتماعي مجلس التعاون الاستراتيجي الأول والثاني بين البلدين نحو خمسين زيارة رسمية على مستويات مختلفة، ما يعكس كثافة الاتصالات. وتعد مصر الشريك التجاري الأكبر لتركيا في أفريقيا بحجم تبادل تجاري يبلغ نحو 9 مليارات دولار، مع سعي مشترك لبناء نموذج اقتصادي تكاملي يعزز قدرة البلدين على مواجهة التقلبات العالمية.
غزة وإيران وساحات الصراع
يتصدر ملف غزة أجندة التنسيق المصري التركي، إذ يتحرك الطرفان بدافع مصالح مشتركة للضغط على إسرائيل للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في قمة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، برعاية مصرية وقطرية وتركية وأمريكية. يشمل هذا التنسيق جهود إعادة الإعمار، وفتح معبر رفح، وإدخال المساعدات، والتعاون في مهام قوة الاستقرار داخل القطاع.
تسعى مصر إلى تثبيت دورها كوسيط رئيسي ومنع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بينما تعمل تركيا على تعزيز حضورها في القضية الفلسطينية. ويلعب البلدان دورًا وساطيًا بين واشنطن وطهران، ويشتركان في القلق من تداعيات أي مواجهة عسكرية محتملة على الملاحة في قناة السويس، واحتمالات موجات لجوء جديدة، واتساع رقعة الصراع نحو دول الخليج والمنطقة العربية.
تتحمل المنطقة كلفة عامين من الحروب والتصعيد العسكري الإسرائيلي والأمريكي، ما ينعكس على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن، ويغذي التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو ما يدفع القاهرة وأنقرة إلى تنسيق أوسع لاحتواء الانفجار الإقليمي.
السودان وليبيا ومكاسب استراتيجية
تعكس القمة، التي وصفتها الصحافة المصرية بـ«قمة إعادة ترتيب أوراق المنطقة»، رغبة مشتركة في حسم الحرب في السودان لصالح الجيش السوداني. يشير المقال إلى استخدام طائرات مسيّرة تركية انطلقت من قواعد مصرية قرب الحدود الجنوبية، ما يكشف عن مستوى متقدم من التنسيق العسكري بين البلدين.
تستهدف هذه الخطوة مليشيا الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها من جنوب شرق ليبيا، خاصة بعد سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور.
يمهد هذا التطور لتفاهمات أوسع بين القاهرة وأنقرة في ليبيا والصومال والقرن الأفريقي، مدفوعًا بتشجيع سعودي لاحتواء النفوذ الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر والسودان. تنتظر مصر مكاسب مباشرة من هذا التقارب، تشمل تأمين حدودها الجنوبية، ومنع تفكك السودان، وتهيئة ظروف عودة اللاجئين السودانيين.
تفرض الحسابات الاستراتيجية المصرية تهدئة بؤر التوتر المحيطة شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، ووقف النزيف الاقتصادي الناتج عن تراجع إيرادات قناة السويس. يخدم هذا الهدف التقارب مع تركيا، التي تتبنى سياسة «صفر مشاكل» مع القاهرة، فيما تحتاج مصر إلى الخبرة التركية في الصناعات العسكرية، وتحتاج تركيا إلى الدور المصري في شرق المتوسط.
وقّعت القاهرة مؤخرًا اتفاقات مع شركات تركية لإنتاج طائرات مسيّرة وذخائر مدفعية بعيدة المدى، إلى جانب صفقات دفاعية بمئات الملايين من الدولارات، ما يعكس تصاعد الشراكة العسكرية.
يتجاوز هذا المسار مرحلة التنافس والصراع التي أعقبت 2013، ويفتح الباب أمام تحالف ثلاثي يضم مصر وتركيا والسعودية، قادر على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ودفع المنطقة نحو معادلة أكثر استقرارًا تقوم على المصالح المشتركة لا المحاور المفروضة.
بهذا المعنى، تمثل القمة المصرية التركية نقطة تحول استراتيجية ترسم ملامح محور إقليمي جديد يسعى لإدارة الأزمات بدل الارتهان للتدخلات الخارجية، ويعيد صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط.
https://www.middleeastmonitor.com/20260210-egypt-and-turkey-a-summit-of-arrangements-and-strategic-gains/

